الخطيب الشربيني

418

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

يفعل بالمقتول صبرا يؤخذ بيمينه ويضرب بالسيف في جيده مواجهة وهو أشد عليه ، وقال الحسن رضي الله عنه : لقطعنا يده اليمنى . وقال الزمخشري : المعنى : ولو ادعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه صبرا كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم معاجلة بالسخط والانتقام ، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول ، وهو أن يؤخذ بيده فتضرب رقبته وخص اليمين عن اليسار ، لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذه بيساره ، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف أخذ بيمينه ا . ه . وقال نفطويه : المعنى لقبضنا بيمينه عن التصرف ، وقال السّدي ومقاتل رضي الله عنهما : المعنى انتقمنا منه بالحق واليمين على هذا بمعنى الحق كقوله تعالى : إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ [ الصافات : 28 ] ، أي : من قبل الحق . ثُمَّ لَقَطَعْنا أي : بما لنا من العظمة قطعا يتلاشى عنده كل قطع مِنْهُ الْوَتِينَ أي : نياط القلب وهو يتصل من الرأس إذا انقطع مات صاحبه ، قال أبو زيد : وجمعه الوتن وثلاثة أوتنة والموتون الذي قطع وتينه . وقال الكلبي : هو عرق بين العلباء والحلقوم وهما علبا وان بينهما العرق والعلباء عصب العنق ، وقيل : عرق غليظ تصادفه شفرة الناحر ، وقال مجاهد رضي الله عنه : هو حبل القلب الذي في الظهر وهو النخاع ، فإذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه . وقال محمد بن كعب رضي الله عنه : إنه القلب ومراقه وما يليه ، وقال عكرمة رضي الله عنه : إن الوتين إذا قطع ، لا إن جاع عرف ولا إن شبع عرف ، وقيل : الوتين من مجمع الوركين إلى مجمع الصدر بين الترقوتين ، ثم تنقسم منه سائر العروق إلى سائر الجسد ، ولا يمكن في العادة الحياة بعد قطعه . وقال ابن قتيبة : لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه ، فكان كمن قطع وتينه . ونظيره قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري » « 1 » . والأبهر : عرق متصل بالقلب ، فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال : هذا أوان يقتلني السم وحينئذ صرت كمن انقطع أبهره فَما مِنْكُمْ أي : أيها الناس ، وأغرق في النفي فقال : مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ أي : القتل حاجِزِينَ أي : لا يقدر أحد منكم أن يحجزه عن ذلك ويدفعه عنه ، أي : الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، أي : لا تقدرون أن تحجزوا عنه القاتل وتحولوا بينه وبينه . تنبيه : مِنْ أَحَدٍ اسم ما ومن زائدة لتأكيد النفي ، ومنكم حال من أحد وعنه حاجزين خبر ما وجمع لأن أحدا في سياق النفي بمعنى الجمع وضمير عنه للقتل أو النبي كما مرّ وَإِنَّهُ أي : القرآن لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ أي : لأنهم المنتفعون به لإقبالهم عليه إقبال مستفيد وَإِنَّا أي : بما لنا من العظمة لَنَعْلَمُ أي : علما عظيما محيطا أَنَّ مِنْكُمْ أي : أيها الناس مُكَذِّبِينَ بالقرآن ومصدقين ، فأنزلنا الكتب وأرسلنا الرسل لنظهر منكم إلى عالم الشهادة ما كنا نعلم في الأزل غيبا من تكذيب وتصديق فتستحقون بذلك الثواب والعقاب ، فلذلك وجب في الحكمة أن نعيد الخلق إلى ما كانوا عليه من أجسامهم قبل الموت لنحكم بينهم فنجازي كلا بما يليق به إظهارا للعدل . وَإِنَّهُ أي : القرآن لَحَسْرَةٌ أي : ندامة عَلَى الْكافِرِينَ أي : إذا رأوا ثواب المصدقين وعقاب المكذبين به وَإِنَّهُ أي : القرآن أو الجزاء يوم الجزاء لَحَقُّ الْيَقِينِ أي : الأمر الثابت

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المغازي باب 83 ، وأبو داود في الديات حديث 4512 ، والدارمي في المقدمة باب 11 ، وأحمد في المسند 6 / 18 .